بقلم الكاتب الصحفى / احمد قنديل
قرأت ما كُتب في شأن التصوف ومظاهر الاحتفالات والموالد، وقرأت ما حمله الكلام من أسئلة موجهة إلى فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر، وأحسب أن من حق أي إنسان أن يسأل، ومن حق أي صاحب رأي أن ينتقد، لكن من حق الحقيقة علينا جميعًا أن نفرق بين التصوف بوصفه علمًا ومنهجًا في تزكية النفس، وبين بعض الممارسات التي قد تقع في بعض الأماكن وينبغي تقويمها ورفض ما يخالف الشرع منها.
وهنا تحديدًا تكمن المشكلة.
فليس من الإنصاف أن نرى سلوكًا خاطئًا من شخص ينتسب إلى التصوف، ثم نقول: هذا هو التصوف.
كما أنه ليس من العلم أن نرى شيخًا أو واعظًا يخطئ، فنحاكم العلم الذي يتحدث باسمه إلى خطأ صاحبه.
التصوف ليس مهرجانًا، وليس زفة، وليس اختلاطًا، وليس صخبًا، وليس تقليدًا أعمى، وليس خرافة، وليس خروجًا على الشريعة.
ومن يزعم غير ذلك، فليأتِ بالدليل من أصول التصوف نفسها.
التصوف في جوهره علم من علوم تزكية النفس والسلوك إلى الله، قائم على تهذيب الأخلاق، ومجاهدة النفس، وتعظيم الفرائض، والصدق، والإخلاص، ومراقبة الله، والمحبة، والذكر، والتواضع، وحسن المعاملة.
ولهذا فإن التصوف الصحيح لا يمكن أن يكون في خصومة مع الشريعة؛ لأن الطريق إلى الله لا يبدأ بمخالفة أمر الله.
ومن هنا نقولها بوضوح لا يحتمل الالتباس:
كل ممارسة تخالف الشريعة أو تنتهك الآداب العامة أو تهدر العفة والحياء، نرفضها نحن قبل غيرنا، ولا يشفع لها أن يرفع أصحابها شعار التصوف.
بل إن التصوف نفسه يلفظها ويرفضها.
وهذه نقطة يجب أن يفهمها من يريد أن يتحدث عن التصوف بعلم لا بانطباعات مسبقة.
فليس كل من ارتدى زيًا معينًا صوفيًا، أو تقدم موكبًا، أو اعتلى منصة، أو تصدر مشهدًا شعبيًا، يصبح ممثلًا للتصوف أو متحدثًا باسمه.
التصوف أكبر من الأشخاص، وأعمق من المظاهر، وأقدم من كثير من الأشكال الاحتفالية التي ظهرت عبر العصور والبيئات المختلفة.
وإذا كان هناك خلل في ممارسة هنا أو هناك، فليُسمَّ الخلل باسمه، وليحاسب مرتكبه وفق الشرع والقانون، ولكن لا يجوز تحويل الخطأ الفردي إلى حكم على مدرسة علمية وروحية كاملة.
التصوف علم.. وليس خرافة
ولعل أهم ما نحتاج إلى قوله اليوم هو أن الحديث عن التصوف يجب أن ينتقل من دائرة الانطباعات إلى دائرة العلم.
نحن بحاجة إلى أن نقدم للناس دورات علمية حقيقية في التصوف، وأن يكون الحديث عن التصوف من خلال العلماء المتخصصين، ومن خلال كتب التراث المحققة، ومن خلال المؤسسات العلمية، ومن خلال علماء الأزهر ودار الإفتاء وغيرهم من القامات التي تمتلك أدوات العلم.
نحتاج إلى أن يعرف الشباب:
ما معنى التزكية؟
ما معنى السلوك؟
ما معنى الذكر؟
ما الفرق بين العبادة والعادة؟
ما الفرق بين الكرامة والخرافة؟
ما الفرق بين المحبة الإلهية وبين الانحراف في التعبير عنها؟
ما حدود العلاقة بين الشيخ والمريد؟
وما الذي يوافق الكتاب والسنة، وما الذي لا يوافقهما؟
هذه هي المعركة الحقيقية.
فبدلًا من أن نترك الساحة للمبالغات من هنا، وللهجوم غير المنهجي من هناك، علينا أن نفتح باب العلم.
التصوف لا يخشى العلم.
والتصوف الصحيح لا يخشى السؤال.
والتصوف الذي يستند إلى الشريعة لا يخشى النقد العلمي.
بل إن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نترك التصوف في أيدي غير المتخصصين، فيخلطه بعضهم بالخرافة، ثم يأتي آخرون ليحاكموا التصوف كله بالخرافة التي صنعها هؤلاء.
نفرق بين التصوف ومن ينتسب إليه
وهنا أقولها بوضوح:
ليس كل من ادعى التصوف صوفيًا، وليس كل من انتسب إلى طريقة يمثل منهجها، وليس كل ما يحدث في مولد أو احتفال يمكن أن ننسبه إلى علم التصوف.
وهذا ليس دفاعًا عن أحد.
بل هو دفاع عن المنهج العلمي.
فالإنسان يُحاكم إلى قوله وفعله، والعلم يُحاكم إلى أصوله ومصادره.
ولو أن شخصًا ارتكب مخالفة شرعية في مسجد، فهل نقول إن المسجد هو المخالف؟
ولو أن عالمًا أخطأ في اجتهاد، فهل نهدم العلم الذي تعلمه؟
ولو أن شخصًا انتسب إلى مؤسسة علمية ثم خالف منهجها، فهل نحمّل المؤسسة كلها خطأه؟
إذن لماذا نطبق هذا المنطق على التصوف وحده؟
نعم.. هناك مظاهر تحتاج إلى مراجعة
ولا أقول إن الساحة خالية من الأخطاء.
بل على العكس، الاعتراف بالمشكلة هو أول طريق الإصلاح.
هناك مظاهر تحتاج إلى مراجعة.
وهناك ممارسات ينبغي ضبطها.
وهناك فرق بين الاحتفال المشروع وبين الفوضى.
وهناك فرق بين الذكر وبين الصخب.
وهناك فرق بين التعبير الروحي وبين استعراض المظاهر.
وهناك فرق بين اجتماع الناس على الخير وبين ما يخالف الآداب والشرع.
لكن علاج هذه الأمور لا يكون بتشويه التصوف، وإنما يكون بإعادة التصوف إلى العلم، وإعادة الممارسة إلى ميزان الشريعة.
وهنا يأتي دور المشايخ والعلماء والمؤسسات الدينية.
نريد تصوفًا يُعلِّم قبل أن يحتفل
نريد أن تكون الزوايا والمساجد ومجالس الطرق الصوفية مدارس للعلم والأخلاق.
نريد أن يتعلم المريد قبل أن يهتف.
وأن يفهم قبل أن يقلد.
وأن يتخلق قبل أن يتصدر.
وأن يعرف سيرة النبي ﷺ قبل أن ينشغل بالمظاهر.
نريد شيخًا يعلم الناس كيف تكون الصلاة صلاةً، والذكر ذكرًا، والأخلاق أخلاقًا، والمحبة سلوكًا.
نريد أن نرى دورات علمية منتظمة في علوم التصوف، يشارك فيها علماء أجلاء من الأزهر الشريف ودار الإفتاء، إلى جانب المتخصصين في التصوف والتراث الإسلامي، وأن تقدم هذه الدورات للناس بصورة عصرية موثقة، بعيدًا عن الدجل والخرافة والتوظيف الشخصي.
فهذا هو الطريق الحقيقي لحماية التصوف.
لا تحاربوا التصوف بسبب شوائبه.. بل حاربوا الشوائب باسم التصوف
إن الذين يريدون إصلاح التصوف عليهم أن يكونوا أول من يرفض الدخيل عليه.
والذين يريدون الدفاع عن التصوف عليهم ألا يدافعوا عن كل ممارسة تقع باسمه.
وهنا أقولها بصراحة:
نحن لا ندافع عن الخطأ لأنه وقع من صوفي، ولا نقبل المخالفة لأن صاحبها شيخ، ولا نعطي أحدًا حصانة دينية لمجرد انتسابه إلى طريقة.
لكننا في الوقت نفسه لن نقبل أن تُستخدم أخطاء بعض المنتسبين إلى التصوف ذريعة للطعن في التصوف نفسه.
فهذا ليس نقدًا علميًا، وإنما خلط بين المنهج والممارسة.
التصوف المصري.. مسؤولية علمية ووطنية
التصوف المصري له تاريخ طويل، وفيه مدارس علمية وشخصيات كبيرة تركت أثرًا في الفكر الإسلامي والسلوك والتربية.
ومن الظلم اختزال هذا التراث كله في مشهد عابر أو احتفال هنا أو سلوك فرد هناك.
والأجدى من إطلاق الاتهامات أن نفتح الكتب، ونستحضر العلماء، ونقيم الندوات، ونقدم للناس المعرفة الصحيحة.
التصوف لا يحتاج إلى مهرجانات تدافع عنه، وإنما يحتاج إلى علم يعرّف الناس به.
ولا يحتاج إلى صراخ في مواجهة منتقديه، وإنما يحتاج إلى علماء قادرين على شرح أصوله ومناقشة الاعتراضات عليه بهدوء وثقة.
كلمة أخيرة
أما من يوجه سؤالًا إلى الأزهر الشريف، أو إلى شيخ الأزهر، فله كامل الحق في السؤال.
لكن السؤال عن التصوف ينبغي أن يبدأ من التصوف نفسه.
اقرأوا كتب القوم.
اعرفوا مصطلحاتهم.
افهموا مقاصدهم.
ميزوا بين الصحيح والدخيل.
ثم بعد ذلك حاسبوا الممارسة على أساس العلم والشرع.
أما أن نضع كل مظاهر المجتمع الشعبي في سلة واحدة، ثم نسميها "التصوف"، فهذه ليست دراسة للتصوف، وإنما دراسة لمظاهر اجتماعية اختلط فيها الديني بالثقافي والشعبي، ثم جرى تحميل التصوف كله مسؤوليتها.
والتصوف الصحيح لا يقبل أن يكون ستارًا للخطأ.
بل إن أول من يجب أن يرفض الخطأ هو من يعرف حقيقة التصوف.
فالتصوف الذي نعرفه ليس هروبًا من الشريعة، وإنما تعميق للصلة بها.
وليس استعراضًا للمظهر، وإنما إصلاح للجوهر.
وليس خرافة، وإنما علم وسلوك وتزكية.
وليس تعطيلًا للعقل، وإنما تربية للقلب والعقل معًا.
ومن أراد أن ينتقد التصوف، فليأتِ بعلم.
ومن أراد إصلاحه، فأهل التصوف أولى الناس بالإصلاح.
أما أن نحاكم التصوف إلى أخطاء بعض المنتسبين إليه، فذلك كأن نحاكم العلم إلى جهل بعض من ادعاه.
والفرق بين التصوف الحقيقي وبين من يرفع شعاره، هو نفسه الفرق بين العلم ومن يدّعي العلم.
وهذا هو بيت القصيد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق